الحكيم الترمذي

65

غور الأمور

المعرفة وقوله وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ « 1 » . ومن كان في سابق علمه أن يؤمن أمده بالمعرفة ، وقذفه إليه ، فالتقيا وتعارفا وسطع نوراهما إلى الملك ، فدلا صاحبهما على ربه ، فاتبع القلب بصره إلى ما سطعا ، فوجدهما بين يدي الجليل في نور القربة ، فعرف العبد ربه ، ومن ذلك قوله أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ « 2 » . وهو نور المعرفة وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ « 2 » ، وهو المعرفة وإنما جمع تربته في موضع الكعبة ، لأنه كان في سابق علمه أن يتخذ لهم قبلة . وأما المعرفة فإنها إن سأل : أفعل اللّه هي ، أم فعل العبد ؟ فإن المعرفة هي من فعل العبد والمنسوبة إليه ، وبها يصير محمودا عند ربه وبخلوه منها يصير مذموما ، ولكن النسب الذي به وصل العبد إليها خمسة أشياء ، وهو ليس إليه ، ولكنه محمود عند ربه باستعمالها ، ومدرك بها معرفة ربه . وهي : الفهم ، والذهن ، والذي ، والحفظ ، والعلم . « 4 » وهو ذكر الفطرة ، وهي من اللّه لعبده ، وليس إلى عبد منهن شئ .

--> ( 1 ) سورة لقمان / الآية 25 - سورة الزمر / الآية 38 . ( 2 ) سورة هود / الآية 17 . ونص الآية الكريمة هو أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ . ( 4 ) الأشياء الخمسة التي عددها الشيخ رحمه اللّه والتي توصل العبد للمعرفة ، وتؤهله لمعرفة ربه تعالى ، وهي : الفهم ، والذهن ، والذكاء ، والحفظ ، والعلم . هذه الخمسة هي نواتج عمل العقل أو التعقل . على أن ثمة خلطا بها ، فكلمة الذهن من الكلمات التي تتسع دلالتها عند أهل اللغة فهي تشمل : الفهم والعقل . يقال : ذهن ذهنا : فطن . وفطن الشئ : فهمه وعقله فهو ذهن ، وهي ذهنة . وربما أراد الشيخ رحمه اللّه بالذهن التفكير والتفكر وهذا صحيح أيضا وفق التفسيرات المعاصرة للذهن بأنه يطلق على التفكير وقوانينه ، أو مجرد الاستعداد للإدراك .